W3vina.COM Free Wordpress Themes Joomla Templates Best Wordpress Themes Premium Wordpress Themes Top Best Wordpress Themes 2012

ترجمة الإمام القرطبي

 

ترجمة الإمام القرطبي

 

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد الخلق أجمعين، محمد بن عبدالله، وعلى آله وصحبه والتابعين لهم بإحسان، وبعد:

يقول الإمام النووي – رحمه الله – في كتابه: “تهذيب الأسماء واللغات”(1 / 10):

“اعلم أن لمعرفة أسماء الرجال، وأحوالهم، وأقوالهم، ومراتبهم: فوائدَ كثيرة؛ منها: معرفة مناقبهم وأحوالهم، فيتأدب بآدابهم، ويقتبس المحاسن من آثارهم، ومنها: مراتبهم وأعصارهم، فينزلون منازلهم، ولا يقصر بالعالي في الجلالة عن درجته، ولا يرفع غيره عن مرتبته، وقد قال الله تعالى: ﴿ وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ ﴾ [يوسف: 76]، وثبت في صحيح مسلم عن ابن مسعود، رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((ليليَنِّي منكم أولو الأحلام والنهى، ثم الذين يلونهم)) ثلاثًا، وعن عائشة رضي الله عنها، قالت: “أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نُنزل الناس منازلهم”، قال الحاكم أبو عبدالله في علوم الحديث: هو حديث صحيح، وأشار أبو داود في سننه إلى أنه مرسل.

 

ومنها: أنهم – أئمتنا وأسلافنا – كالوالدين لنا، وأجدى علينا في مصالح آخرتنا التي هي دار قرارنا، وأنصح لنا فيما هو أعوَد علينا، فيَقبُح بنا أن نَجهلهم وأن نهمل معرفتهم، ومنها: أن يكون العمل والترجيح بقول أعلمِهم وأورَعِهم إذا تعارضت أقوالهم، ومنها: بيان مصنَّفاتهم وما لها من الجلالة وعدمها، والتنبيه على مراتبها، وفي ذلك إرشاد للطالب إلى تحصيلها، وتعريف له بما يعتمده منها، وتحذيره مما يُخاف من الاغترار به، وغير ذلك، وبالله التوفيق”.

 

ولما كان حال التعريف بالأسلاف كذلك، وفيه من الفوائد والعظات ما فيه مما بيَّنه الإمام النووي – رحمه الله – آنفًا، حاولت في هذا الجهد المتواضع أن أسلط الضوء على شخصية من الشخصيات العِلمية العظيمة في التاريخ الإسلامي؛ لما لها من حضور بارز في شتى العلوم، لا سيما علم تفسير كتاب الله العزيز الحكيم، ومَن مِنا يجهل كتاب: “الجامع لأحكام القرآن”؛ للإمام أبي عبدالله القرطبي، تلك الموسوعة التي لا يكاد يَستغني عنها عالم أو متعلِّم.

 

فيَقبح بطلاب العلم أن يعرفوا هذا السفر الرائع في بابه، ثم لا يَعلموا عن مؤلفه شيئًا، فهاكُم هذه النبذة المختصرة عن الإمام القرطبي المفسِّر؛ عسى أن تُفيدكم وتنال إعجابكم، والله الموفق.

 

المبحث الأول: نسَبه ونشأته وأقوال العلماء فيه:

المطلب الأول: نسبه ونشأته: هو الإمام أبو عبدالله محمد بن أحمد بن أبي بكر بن فَرْح – بإسكان الراء والحاء المهملة – الأنصاري الخزرجي الأندلسي القرطبي[1].

 

لم تُشِر المصادر التي ترجَمت له إلى سنة ولادته، وقد رجَّح بشير عيون – محقق كتاب (التذكار في أفضل الأذكار)[2] للقرطبي – أنه ولد في أواخر القرن السادس الهجري تقريبًا، وذكرت الموسوعة العربية أنه ولد سنة 600هـ [3].

 

نشأ – رحمه الله – في قرطبة[4] بالأندلس، في عصر الموحِّدين[5]، وظلَّ يعيش بها حتى سقطت في أيدي الفرنجة سنة 633هـ[6]، فانتقل منها إلى مصر، واستقرَّ بها حتى وافته المنيَّة، ومعلوم أن الأندلس، وبخاصة قرطبة (كانت منتهى الغاية، ومركز الراية، وأم القرى، وقرارة أولي الفضل والتُّقى، ووطن أولي العلم والنهى، وقلب الإقليم، وينبوع متفجر العلوم، ومن أفقها طلعت نجوم الأرض، وأعلام العصر، وفرسان النَّظْم والنثر، وبها أنشئت التأليفات الرائعة، وصنِّفت التصنيفات الفائقة…)[7]، وكانت أيضًا أكثر بلاد الأندلس كتبًا، وأهلها أشد الناس اعتناءً بخزائن الكتب، من أروَج متاجريها حتى قيل: “إنه إذا مات عالمٌ بإِشْبِيلِيَة فأُريدَ بيعُ كتبه، حملت إلى قرطبة حتى تباع فيها”[8].

 

ففي هذا الجو المشحون بالعلم وأهله، نشأ الإمام القرطبي، وبديهيٌّ أن جوًّا كهذا يعجُّ بحلقات العلم، ومدارسِه، سوف يلمع في سمائه عدد من النُّجوم المميَّزة، كان منها نجم هذا الفتى النابه الذي ذاع صيتُه، وانتشَرت مؤلفاته وسارَت بها الركبان.

 

وإن نظرةً سريعة على البرنامج التعليمي لأطفال المجتمع الأندلسي في عصر الإمام القرطبي تُنبئك عن دور البيئة القرطبية الأندلسية في تكوين العقلية العِلمية لهذا الإمام، فهذا أبو بكر بن العربي – رحمه الله – يقول: “والذي يَجب على الوليِّ في الصبيِّ المسلم إذا عقل، أن يلقنه الإيمان، ويُعلمه الكتابة والحساب، ويُحفِّظه أشعار العرب العاربة، ويعلمه العوامل في الإعراب، وشيئًا من التَّصريف، ثم يُحفظه – إذا استقل واشتدَّ في العشر الثاني – كتاب الله، ثم يحفظ أصول سنن الرَّسول..).، وقد أوصى الإمام ابن العربي بألا يخلط في التَّعليم بين عِلمين، إلا أن يكون الطَّالب ذا جودة في الفهم، وقوة في النَّشاط، وقابليَّة لذلك[9].

 

ولعل الإمام القرطبي – رحمه الله – كان من أولئك الذين اتَّسموا بجودة في الفهم، وقوة في النشاط الذهني؛ إذ إن ما حصَّله من معارف مختلفة – ظهر أثرها في تفسيره – يوحي بذلك، ويومئ إلى أنه لا بد أن يكون قد بدأ في تلقِّيها منذ الصِّغَر[10].

 

ولعل ما قلناه عن الإمام القرطبي يؤيده ويسنده ما قاله فيه مترجموه.

 

المطلب الثاني: أقوال العلماء فيه وثناؤهم عليه:

قال عنه الإمام الذهبي: (إمام متقن، متبحِّرٌ في العلم، له تصانيف مفيدة، تدل على إمامته، وكثرة اطلاعه، ووفور فضله)[11].

 

وقال عنه ابن فرحون: (كان من عباد الله الصالحين، والعلماء العارفين الورعين الزاهدين في الدنيا، المشغولين بما يعنيهم من أمور الآخرة، أوقاته معمورة ما بين توجه وعبادة وتصنيف)[12].

 

وقال عنه ابن العماد: (وكان إمامًا عالمًا غوَّاصًا من الغوَّاصين على معاني الحديث، حسن التصنيف، جيِّد النقل..)[13].

 

وقال عنه محمد مخلوف: (العالم الإمام، الجليل، الفاضل، الفقيه، المفسِّر، المحصِّل، المتقن، الكامل، كان من عباد الله الصالحين، والعلماء العاملين…)[14].

 

المبحث الثاني: رحلاته وشيوخه:

المطلب الأول: رحلاته:

عاش الإمام القرطبي الحقبة الأولى من عمره بحاضرة الأندلس ”قرطبة” حتى سقوطها سنة: 633هـ، ثم وفد إلى مصر ليكمل بها حياته العلمية.

 

والجدير بالذكر أن الروايات التاريخية عن هذه المرحلة لم تشر لا من قريب ولا من بعيد لتاريخ رحيل الإمام القرطبي من الأندلس وتاريخ قدومه إلى مصر[15]، ولعل السؤال المطروح هو: لماذا اختار الإمام القرطبي مصر ملجأً له وموئلاً بعد مغادرته “الأندلس”، خصوصًا إذا علمنا أن غيره من أبناء قرطبة قصدوا إشبيلية، بعد سقوط قرطبة.

 

ولعل الإجابة عن هذا السؤال تكمن في أن مصر في عهد الأيوبيين والمماليك – وهو العهد الذي وفد فيه القرطبي إلى مصر[16] – كانت محطًّا لكثير من علماء المسلمين على اختلاف أقطارهم وأجناسهم؛ إذ وجدوا فيها أمنًا فقدوه في ديارهم، ومن هنا ندرك المكانة التي كانت تتمتَّع بها مصر لدى العلماء الذين وفدوا إليها من كل الأقطار، وهو ما جعل الإمام القرطبي يَقصدها مباشرةً بعد سقوط قرطبة؛ وذلك ليلتقي بهؤلاء العلماء ويأخذ عنهم، ويؤيد هذا ما نقلته المصادر من تنقُّلات القرطبي في بلاد مصر، من منطقة لأخرى، باحثًا عن العلماء، ومن ذلك تَنقله إلى الإسكندرية، والقاهرة، والفيوم؛ حيث ذكر الصفدي في ترجمة القرطبي: أن الشيخ فتح الدين محمد بن سيد الناس اليَعمري، أخبره فقال: (ترافق القرطبي المفسر، والشيخ شهاب الدين القرافي في السفر إلى الفيوم، وكلٌّ منهما شيخ فنِّه في عصره، القرطبي في التفسير والحديث، والقرافي في المعقولات..)[17]، وذكر باقي القصة.

 

هذه مجمل الرحلات التي قطعها القرطبي في أرجاء مصر، وهي بلا شك رحلات حافلة بالعلم، والتجارب، والجلوس إلى الشيوخ والسماع منهم، وقد ذكر القرطبي بعضهم في تفسيره، وهو ما نَعرض له في المطلب الموالي.

 

المطلب الثاني: شيوخه:

بما أن الإمام القرطبي – رحمه الله – تلقى تعليمه الأول في بلده بالأندلس، ثم بعد ذلك انتقل إلى مصر ليكمل مشواره العلمي، فلا شك أن له شيوخًا في كِلا البلدَين؛ ولذلك سوف أقسمهم إلى قسمين:

 

أولاً: شيوخه الأندلسيون:

إن أبرز شيوخ القرطبي بالأندلس هم الذين تحدَّث عنهم في تفسيره وذكر رجوعه إليهم في مشكلاته العلمية، وهم:

(1) ابن أبي حجة[18]: وهو الشيخ أبو جعفر أحمد بن محمد القيسي المعروف بابن أبي حجة، من أهل قرطبة، تصدَّر لتحفيظ القرآن وتعليم العربية، وانتقل إلى إشبيلية بعد سقوط قرطبة، وأسَرَه الروم في البحر، فامتُحن بالتعذيب، وتوفي إثر ذلك بميورقة، ومن مؤلفاته: (تسديد اللسان لذكر أنواع البيان)، (تفهيم القلوب آيات علام الغيوب)، (مختصر التبصرة في القراءات)، توفي سنة 643هـ.

 

وقد تلقى القرطبي على يد هذا الشيخ القراءات السبع[19]، وهو أول شيخ سأله الإمام القرطبي عن غسل والده، والصلاة عليه يوم قُتل في غارة مفاجئة[20] شنَّها الأعداء على قرطبة، قال: (فسألت شيخنا المقرئ الأستاذ أبا جعفر أحمد المعروف بأبي حجة فقال: غسِّله وصلِّ عليه؛ فإن أباك لم يُقتَل في المعترك بين الصَّفَّين..)[21].

 

(2) – ابن أُبيٍّ[22]: ربيع بن أحمد بن ربيع الأشوي، من أهل قرطبة وقاضيها، كان رجلاً صالحًا، عادلاً في أحكامه، نبيه القدر والبيت، وكانت له مشاركة في علم الحديث، وقد سأله الإمام القرطبي – بعد ابن أبي حجة – عن غسل والده، فقال: (ثمَّ سألت شيخنا ربيع بن عبدالرحمن بن أحمد بن ربيع بن أبيٍّ فقال: إن حكمه حكم القتلى في المعترك..)[23]، وقد رحل بعد سقوط قرطبة إلى إشبيلية وتوفي بها.

 

(3) – القاضي أبو الحسن علي بن قطرال[24]: وهو أبو الحسن علي بن عبدالله بن محمد الأنصاري القرطبي، المعروف بابن قطرال، فقيه مالكي.

 

ثانيًا: شيوخه المصريون:

(1) – أبو العباس القرطبي[25]: وهو العباس ضياء الدين أحمد بن عمر بن إبراهيم بن عمر الأنصاري القرطبي، كان من أعيان فقهاء المالكية، ولد بقرطبة، ورحل مع أبيه من الأندلس في سن الصغر، فسمع كثيرًا بمكة والمدينة وغيرهما، ثمَّ نزل الإسكندرية ودرس بها، وكان بارعًا في الفقه والعربية وعلم الحديث، ومن أهم مؤلفاته: المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم، توفي سنة 656 هـ، وقد ذكره القرطبي في تفسيره[26].

 

(2) – أبو محمد عبدالوهاب بن رواج[27]: هو الشيخ رشيد الدين أبو محمد عبدالوهاب بن ظافر بن فتوح بن أبي الحسن القرشي بن رواج الإسكندراني المالكي، وكان فقيهًا ومحدِّثًا، قال عنه السيوطي: (أخذ عنه كثير من طلاب العلم، كان من بينهم أبو عبدالله القرطبي)[28].

 

(3) – ابن الجميزي[29]: هو بهاء الدين أبو الحسن علي بن هبة الله بن سلامة اللخمي، المعروف بابن الجميزي، حفظ القرآن وهو ابن عشر سنين، ورحل في طلب العلم، كان إمامًا في الفقه والحديث والقراءات والنحو، توفي سنة 649 هـ.

 

وقد أورد القرطبي – رحمه الله – اسم شيخه هذا مقرونًا باسم شيخه الآخر ابن رواج في كتابه (التذكار في أفضل الأذكار) قال: (أنبأنا الشيخ المسن الراوية الحاج أبو محمد عبدالوهاب…ابن رواج، بمسجده بثغر الإسكندرية، والشيخ الفقيه الإمام مفتي الأنام أبو الحسن علي بن هبة الله الشافعي بمنية بني خصيب على ظهر النيل بها إجازة..)[30].

 

(4) – الحسن البكري[31]: هو المحدث العالم المصنف صدر الدين أبو علي الحسن بن محمد بن عمروك القرشي التميمي النيسابوري ثم الدمشقي، تلقى العلم على أيدي علماء مكة ودمشق، ورحل إلى مصر، ومات بها سنة 656هـ، وفي ذلك يقول أبو شامة المقدسي: (وجاءنا الخبر من مصر بموت صدر الدين الحسن بن محمد البكري، توفي في حادي عشر من ذي الحجة سنة 656هـ)[32].

 

المبحث الثالث: أخلاقه وصفاته:

أولاً: كان ورعًا تقيًّا: لقد أثنى العلماء على الإمام القرطبي؛ لما كان يتحلى به من صفات حميدة وخِلال حسنة، ولما يتمتع به من ورع وتُقى، وزهد في الدنيا وزخرفها؛ فهذا ابن فرحون يقول عنه: (كان من عباد الله الصالحين، والعلماء العارفين الورعين الزاهدين في الدنيا، المشغولين بما يعنيهم من أمور الآخرة، أوقاته معمورة ما بين توجُّه، وعبادة، وتصنيف، وكان قد اطَّرح التكلُّف، يمشي بثوب واحد، وعلى رأسه طاقية..)[33]، ومثل ذلك قال عنه المقري في نفح الطيب[34]، ولكن لا ينبغي أن يفهم من هذا الكلام الأخير لابن فرحون أن الإمام القرطبي كان بمظهره هذا مثل أولئك المتصوفة الجهال، الذين يعمدون إلى لبس الخشن من الثياب، أو المرقعات، ثم لا يخلعونها عن أجسادهم حتى تبلى، وهذا ما نلاحظه عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿ وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ ﴾ [الأعراف: 26]؛ حيث يقول: (إن التقوى خير لباس؛ قال ابن عباس: هو العمل الصالح…، وقيل: لباس التقوى لبس الصوف، والخشن من الثياب مما يُتواضَع به لله تعالى، ويتعبد له خير من غيره،… وقال عروة بن الزبير: هو الخشية لله، وقيل: هو استِشعار تقوى الله تعالى فيما أمر به ونهى عنه، قلت: وهو الصحيح، وإليه يرجع قول ابن عباس وعروة، ومن قال: إنه لبس الخشن من الثياب، فدعوى، فقد كان الفضلاء من العلماء يلبسون الرفيع من الثياب مع حصول التقوى..)[35].

 

وقد ذكر[36] بعضًا من هؤلاء العلماء الفضلاء عند تفسيره للزينة في قوله تعالى: ﴿ قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ﴾ [الأعراف: 32]؛ حيث ذكر منهم علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، وتميم الداري، ومالك بن دينار، وقال عقب ذلك: (أين هذا ممن يرغب عنه ويؤْثِر لباس الخشن من الكتان والصوف من الثياب، ويقول: “ولباس التقوى خير”؟ هيهات! أترى من ذكرنا تركوا لباس التقوى؟ لا والله! بل هم أهل التقوى، وأولو المعرفة والنُّهى، وغيرهم أهل دعوى، وقلوبهم خالية من التقوى)[37].

 

ثانيًا: كان – رحمه الله – عفيف اللسان، رقيق العبارة:

امتاز الإمام القرطبي – رحمه الله – بعفة اللسان، ورقة العبارة، وحسن المناظرة؛ حيث ترى ذلك واضحًا جليًّا في مناقشته لمخالفيه في بعض المسائل، وهذا إذا ما قورن بغيره من العلماء ممَّن اشتغل بأحكام القرآن أمثال ابن العربي المالكي، وأبي بكر الرازي الجصَّاص الحنفي، وسيظهر ذلك من خلال الأمثلة الآتية:

1 – حين عرض الإمام القرطبي اختلاف العلماء في “البسملة” أهي آية من الفاتحة أم لا؟ قال: “وهذا يدل على أنها ليسَت آية من الفاتحة ولا غيرها، وقد اختلف العلماء في هذا المعنى على ثلاثة أقوال:

الأول: ليست بآية من الفاتحة ولا غيرها، وهو قول مالك.

الثاني: أنها آية من كل سورة، وهو قول عبدالله بن المبارك.

الثالث: قال الشَّافعي: هي آية من الفاتحة، وتردَّد قولُه في سائر السُّور”[38].

 

ثمَّ عرض حجة الشَّافعي وابن المبارك فيما ذهبا إليه، وانتهى إلى الراجح من الأقوال فقال: (والصحيح من هذه الأقوال: قول مالك؛ لأنَّ القرآن لا يَثبت بأخبار الآحاد، وإنما طريقه التواتر القطعي الذي لا يختلف فيه)، وتابع في سرد الأدلة على رجحان ما ذهب إليه بكل هدوء ونقاش رفيع، فيورد الاعتراضات الممكنة ويجيب عنها، فلو تأملت هاته المناقشة وهذا الترجيح، وقارنته بمناقشة ابن العربي مثلاً للمسألة نفسها، لبان لك الفرق بين الرجلين، فابن العربي يقول: “اتفق الناس على أنها آية من كتاب الله في سورة النمل، واختلفوا في كونها في أول كل سورة، فقال مالك وأبو حنيفة: ليست في أوائل السورة بآية، وإنما هي استفتاح ليُعلم بها مُبتدؤُها، وقال الشافعي: هي آية في أول الفاتحة قولاً واحدًا، وهل تكون آية في أول كل سورة؟ اختلف قوله في ذلك… ووددْنا أن الشافعي لم يتكلم في هذه المسألة، فكل مسألة له ففيها إشكال عظيم”[39].

 

ومن الأمثلة التي تُجلي بوضوح ما ذكرناه في وصف القرطبي – رحمه الله – من عفة في اللسان وأدب في الحوار: ما جاء في تفسير قوله تعالى: ﴿ وَمِنْ ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا ﴾ [النحل: 67]؛ إذ عرض القرطبي الأقوال التي قيلَت في معنى “سَكَرًا” مِن أنها: الخمر، أو الخل، أو العصير الحلو، ونقل عن ابن العربي أن الآية منسوخة اعتمادًا على قول ابن عباس في أن المراد بالسكر الخمر، أو أن الآية نزلت قبل تحريم الخمر؛ إذ إن هذه الآية مكية باتفاق، وتحريم الخمر مدني، ثم عرض ما قاله الحنفية من أن المراد بقوله تعالى: ﴿ سَكَرًا ﴾: ما لا يسكر من الأنبذة؛ لأن الله تعالى امتنَّ على عباده بما خلق لهم من ذلك، ولا يقع الامتنان إلا بمحلَّل لا بمحرَّم، فيكون ذلك دليلاً على جواز شرب ما دون المسكر من نبيذ، فإذا انتهى إلى السكر لم يجز[40]، وأَتْبع القرطبي رأي الحنفية بمناقشة ابن العربي لهم حين قال: (فإن قيل: كيف يحرم ما أحل الله هاهنا وينسخ هذا الحكم وهو خبر، والأخبار لا يدخلها النسخ؟ قلنا: هذا كلام من لم يتحقق الشريعة، وقد بينَّا أن الخبر إذا كان على الوجود الحقيقي فذلك الذي لا يدخله النسخ، فأما إذا تضمن الخبر حكمًا شرعيًّا، فالأحكام تتبدل وتنسخ، جاءت بخبرٍ أو بأمر، وإذا فهمتم هذا خرجتم من الصنف الغبي الذي أخبر الله عن الكفار فيه بقوله تعالى: ﴿ وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ ﴾ [النحل: 101])[41].

 

ويعقب القرطبي على كلام ابن العربي هذا قائلاً: (هذا تشنيع شنيع حتى يلحق فيه العلماء الأخيار في قصور الفهم بالكفار، والمسألة أصولية، وهي أن الأخبار عن الأحكام الشرعية هل يجوز نسخها أم لا؟ اختلف في ذلك، والصحيح جوازه؛ لهذه الآية..)[42]، فانظر إلى هذا الإنصاف والأدب الرفيع في مناقشة المسائل وأقوال العلماء الكبار.

 

ثالثًا: كان – رحمه الله – منصفًا لا يتعصب لرأي من الآراء:

يقول عنه محمد حسين الذهبي[43]: (وخير ما في الرجل أنه لا يتعصب لمذهبه المالكي، بل يمشي مع الدليل حتى يَصل إلى ما يرى أنه الصواب أيًّا كان قائله، فمثلاً عندما تعرَّض لقوله تعالى في الآية (43) من سورة البقرة: ﴿ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ ﴾ [البقرة: 43].

 

نجده عند المسألة السادسة عشرة[44] من مسائل هذه الآية يَعرض لإمامة الصغير، ويذكر أقوال من يجيزها، ومن يمنعها، ويذكر أن من المانعين لها جملة: مالكًا والثوري، وأصحاب الرأي، ولكنا نجده يخالف إمامَه؛ لما ظهر له من الدليل على جوازها؛ حيث يقول: “قلت: إمامة الصغير جائزة إذا كان قارئًا، ثبت في صحيح البخاري عن عمرو بن سلمة قال: كنا بماء ممر الناس، وكان يمر بنا الركبان فنسألهم: ما للناس؟ ما هذا الرجل؟ فيقولون: يَزعم أن الله أرسله، أوحى إليه كذا! أوحى إليه كذا! فكنتُ أحفظ ذلك الكلام، فكأنما يقرُّ في صدري، وكانت العرب تلوم بإسلامها، فيقولون: اتركوه وقومه، فإنه إن ظهر عليهم فهو نبي صادق، فلما كانت وقعة الفتح بادر كل قوم بإسلامهم، وبدر أبي قومي بإسلامهم، فلما قدم قال: جئتكم والله من عند نبي الله حقًّا، قال: ((صلُّوا صلاة كذا في حين كذا، فإذا حضرت الصلاة، فليؤذِّن أحدكم، وليؤمكم أكثركم قرآنًا)) فنظَروا، فلم يكن أحد أكثر مني قرآنًا؛ لما كنت أتلقى من الركبان، فقدَّموني بين أيديهم وأنا ابن ست أو سبع سنين، وكانت عليَّ بُردة إذا سجدتُ تقلَّصت عني، فقالت امرأة من الحي: ألا تغطُّون عنا اسْتَ قارئكم؟! فاشتروا فقطعوا لي قميصًا، فما فرحت بشيء فرحي بذلك القميص).

وإن الأمثلة على ذلك كثيرة حسبنا ما ذكرناه منها[45].

 

المبحث الرابع: آثاره العلمية وتلاميذه:

المطلب الأول: آثاره العلمية:

لقد ترك لنا القرطبي – رحمه الله – عددًا من المصنَّفات المفيدة التي تدل على كثرة اطلاعه ووفور علمه، وهي مؤلفات منقطعة النظير في بابها، سجلها لنا التاريخ وأنقذ البعض منها فطبع وتداوله الناس، والبعض الآخر ربما جرفته أمواج وعواصف المغول لما عثوا في أرض الأندلس فسادًا، أو أنه لا يزال ينتظر الأيادي التي ستنقذه، وسأورد فيما يلي أهم المؤلفات للإمام القرطبي مما هو بين أيدينا أو ورد ذكره في كتب التاريخ:

الجامع لأحكام القرآن، والمبين لما تضمَّنه من السنة وآي الفرقان: وهو كتاب التفسير المعروف، والذي أصبح ذكره لصيقًا بذكر الإمام القرطبي؛ ذلك أن هذا التفسير هو أبرز مؤلفاته، هذا من جهة، ومن جهة أخرى؛ فإنه من أعظم كتب التفسير – كما شهد بذلك العلماء – وهذه نُبذ منها: قال عنه ابن فرحون: (جمع في تفسير القرآن كتابًا كبيرًا في اثني عشر مجلدًا، سماه: “كتاب جامع أحكام القرآن، والمبين لما تضمن من السنة وآي القرآن”، وهو من أجلِّ التفاسير وأعظمها نفعًا، أسقط منه القصص والتواريخ، وأثبت عوضها أحكام القرآن، واستنباط الأدلة، وذكر القراءات، والإعراب، والناسخ والمنسوخ)[46]، وقال عنه العلامة الصفدي: “وقد سارت بتفسيره الركبان، وهو تفسير عظيم في بابه”[47]، وقال عنه ابن العماد: (و”التفسير الجامع لأحكام القرآن” الحاكي مذاهب السلف كلها، وما أكثر فوائده)[48].

 

والناظر في هذا التفسير يجده فعلاً كما وصفه العلماء، كتابًا عظيمًا في بابه، حوى من العلم الشيء الكثير، بل لا أجد مانعًا مِن تسميتِه بالموسوعة العلمية؛ نظرًا لما جمع فيه مؤلفه – رحمه الله – من شتى علوم القرآن، واللغة والفقه، وغير ذلك من النكت والفوائد، وها هو الإمام القرطبي – رحمه الله – يُبيِّن في مقدمة كتابه هذا محتوياته، وجملة ما ضمنه فيه فيقول: “وبعد، فلما كان كتاب الله هو الكفيل بجمع علوم الشرع، الذي استقل بالسنة والفرض، ونزل به أمين السماء إلى أمين الأرض، رأيت أن أشتغل به مدى عمري، وأستفرغ فيه منتي، بأن أكتب تعليقًا وجيزًا، يتضمَّن نكتًا من التفسير واللغات، والإعراب والقراءات، والرد على أهل الزيغ والضلالات، وأحاديث كثيرة شاهِدة لما نذكره من الأحكام ونزول الآيات، جامعًا بين معانيهما، ومبينًا ما أشكل منهما، بأقاويل السلف، ومن تبعهم من الخلف..)[49].

 

ثم ذكر شرطه في هذا الكتاب فقال: “وشرطي في هذا الكتاب: إضافة الأقوال إلى قائليها، والأحاديث إلى مصنِّفيها؛ فإنه يُقال: من بركة العلم أن يضاف القول إلى قائله”[50].

 

وقد كان – رحمه الله – وفيًّا لما قال؛ حيث أتى بما وعد به، وحاول عزْوَ الأقوال إلى قائليها ما استطاع، ولم يكتفِ بذاك فقط، بل وازن بين تلك الأقوال والنُّقول التي أوردها، وذكر أدلتها وناقشها مناقشة علمية رصينة، لا يَميل فيها لهوًى، ولا يتعصب فيها لمذهب، فاستحق بذلك القبول والذِّكر الحسن بين الناس.

 

وهناك ميزة أخرى زيَّنت هذا التفسيرَ العظيم وجعلته من أحسن التفاسير وأوثقها، وهي خلوُّه غالبًا من الإسرائيليات، فلم يكن القرطبي – رحمه الله – حاطب ليل، بل كان نقادًا محاصًا، يُميز بين الغث والسمين، وبين المقبول والمردود، ويكفينا في ذلك شهادة ابن خلدون له في مقدمته؛ حيث يقول – بعد أن تكلم عن تساهل بعض المفسرين في النقل عن أهل الكتاب فملؤوا تفاسيرهم بالنقل عنهم – قال: “فلما رجع الناس إلى التحقيق والتمحيص، وجاء أبو محمد بن عطية من المتأخرين بالمغرب، فلخَّص تلك التفاسير كلها، وتحرى ما هو أقرب إلى الصحة منها، ووضع ذلك في كتاب متداول بين أهل المغرب والأندلس، حسن المنحى، وتبعه القرطبي في تلك الطريقة على منهاج واحد في كتاب آخر مشهور بالمشرق”[51].

 

التذكار، في أفضل الأذكار: وهو كتاب قال عنه ابن فرحون: “وضعه على طريقة التبيان للنووي، لكن هذا أتم منه وأكثر علمًا”[52]، وهو كتاب مطبوع متداول، ذكر القرطبي في مقدمته ما حواه فقال: “وهو كتاب يحتوي ما يدل على فضل القرآن، وقارئه، ومستمعه، والعامل به، وحُرمته، وحرمة القرآن، وكيفية تلاوته، والبكاء عنده، وفضل من قرأه معربًا، وذم من قرأه رياءً وعجبًا..”[53].

 

التذكرة، بأحوال الموتى وأمور الآخرة: قال عنه محمد مخلوف: “كتاب ليس له مثيل في بابه”[54]، وهو كتاب مشهور متداوَل، متعدِّد الطبعات، جمع فيه من كتب الآثار والأخبار ما يتعلق بذكر الموت والموتى، والحشر والجنة والنار، والفتن والأشراط، وبوبه أبوابًا، وجعل عقب كل باب فصلاً يذكر فيه ما يحتاج إليه من بيان غريب، وإيضاح مشكل[55].

 

وقد عمل بعض العلماء على اختصار هذا الكتاب كالإمام الشعراني في كتابه:

“مختصر تذكرة الإمام القرطبي”، وهو كتاب مطبوع متداوَل أيضًا، وقد ذكر الإمام الشعراني سبب اختصاره لهذا الكتاب، فقال: “وهذا الكتاب اختصرت فيه كتاب التذكرة للإمام أبي عبدالله محمد بن أحمد بن أبي بكر الأنصاري الخزرجي الأندلسي، بمعنى أني أحذف منه ما لا يُذكِّر بالموت والحساب من غريب ألفاظ وإعراب، فإن كتب الرقائق والناس يَبكون، فيحضر نَحويٌّ فيقول: “هذه الكلمة معطوفة على أي شيء؟ فيحصل اللغط، فيزول الخشوع والحزن لوقتِه، ويذهب بالاعتبار، فهذا كان سبب اختصاري لهذا الكتاب”[56].

 

الكتاب الأسنى، في أسماء الله الحسنى: قال عنه ابن فرحون: “وله شرح أسماء الله الحسنى في مجلدين سماه: “الكتاب الأسنى، في أسماء الله الحسنى”، وبهذا العنوان ذكره الصفدي في ترجمة الإمام القرطبي[57]، وهناك من يسميه بعنوان: “الأسنى، في شرح أسماء الله الحسنى” ولا أدري هل هذا الكتاب مطبوع أم لا؟

 

قمع الحرص بالزهد والقناعة، ورد السؤال بالكتب والشفاعة: قال عنه ابن فرحون: “لم أقف على تأليف أحسن منه في بابه”.

 

كتاب “شرح التقصي”.

أرجوزة جمع فيها أسماء النبي صلى الله عليه وسلم.

التقريب لكتاب التمهيد لابن عبدالبر.

رسالة في ألقاب الحديث.

المصباح في الجمع بين الأفعال والصحاح.

الأقضية.

الإعلام بما في دين النصارى من المفاسد والأوهام، وإظهار محاسن دين الإسلام.

المقتبس في شرح موطأ مالك بن أنس، وقد ذكر هذا الكتاب القرطبي نفسه في تفسيره.

اللمع اللؤلؤية في شرح العشرينات النبوية، وقد ذكره القرطبي في تفسيره.

منهج العباد، ومحجة السالكين الزهاد، وقد ذكره أيضًا في التفسير.

 

فهذا ما وقفت عليه من كتب ومؤلفات الإمام القرطبي عزاها إليه مترجموه وبعض الباحثين الذين كتبوا حوله.

 

المطلب الثاني: تلاميذه:

تكاد كتب التراجم التي ترجمت للقرطبي تُطبق على عدم ذكر تلاميذ ممن أخذوا عنه ونهلوا من بحر علمه، باستثناء الإمام السيوطي في طبقات المفسرين الذي خرَج عن هذا الصوم والإطباق بذِكره لأحد أولئك التلاميذ، وهو ابن القرطبي نفسه؛ حيث قال: “وروى عنه بالإجازة ولده شهاب الدين أحمد”.

 

كما أن تلك المصادر لم تشر إلى أن الإمام القرطبي قعد للتدريس في أي بلد من البلدان التي حلَّ بها، ولا ندري ما السر في ذلك، هل أن القرطبي حقًّا لم يكن له حلقات ولا تلاميذ، بل كان همه التأليف وطلب العلم فقط؟ وإنما ذكروا ابنه كونه التلميذ الوحيد له باعتباره كان ملازمًا له في بيته؟ هذا أمر مستبعَد، ولكنه سؤال وإشكال يطرحه الباحث وهو يتتبَّع حياة هذا العلم من الأعلام، لا سيما ونحن نعلم أن البلد الذي استقر فيه القرطبي إلى أن وافتْه المنية هو المكان المعروف بـ”منية بني خصيب” وقد كان بلدًا حافلاً بالدروس والحلقات والمحاورات العلمية.

 

ويزداد الباحث حيرة حين لا يجد كتب التراجم تتعرض لترجمة ذلك التلميذ الوحيد المذكور للقرطبي، وهو ابنه شهاب الدين أحمد بن محمد بن أحمد بن أبي بكر بن فَرْح الأنصاري الخزرجي القرطبي، رغم أن بعض الباحثين حاول جاهدًا تقديم ترجمة له، فأخطأ في نسبتها إلى شخص آخر ليس هو ابن القرطبي المقصود هنا.

 

ومهما يكن، فإن السؤال يبقى قائمًا: لمَ أغفلَت كتب التراجم تلاميذ إمام كبير كالإمام القرطبي؟ ويبقى مجال البحث مفتوحًا عسى أن يكشف عن جديد.

 

المطلب الثالث: وفاته – رحمه الله -:

حياة العظماء حقًّا تنتهي بالموت كغيرهم، لكنهم يختلفون عن ذلك الغير بتخليد ذكرهم وتركهم لآثار تدل عليهم، فبعد أن قضى الإمام القرطبي عمره بين تعلم وعبادة وتصنيف، جاءته سكرة الموت وهو بمنية بني خصيب من الصعيد الأدنى بمصر، وذلك يوم الاثنين من شهر شوال من سنة إحدى وسبعين وستمائة (671هـ)، ودفن هناك – رحمة الله عليه، وجزاه الله عنا وعن الإسلام خير الجزاء بما نفع وقدم.


[1] – الديباج المذهب في معرفة أعيان علماء المذهب؛ لابن فرحون (ص: 407)، نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب؛ للمقري2 / 210، شذرات الذهب؛ لابن العماد 5 / 335، الوافي بالوفَيَات؛ للصفدي 2 / 87، طبقات المفسرين؛ للسيوطي (ص: 79)، شجرة النور الزكية في طبقات المالكية؛ لمحمد مخلوف (ص: 197)، الأعلام؛ للزركلي 6 / 217، معجم المؤلفين؛ لعمر رضا كحالة 3 / 52.

[2] – التذكار في أفضل الأذكار؛ للقرطبي (ص: 69) تحقيق: بشير عيون.

[3] – الموسوعة العربية العالمية 18 / 163.

[4] – قرطبة: قال عنها ياقوت الحموي: قُرطبة – بضم أوله، وسكون ثانيه، وضم الطاء المهملة، وباء موحدة -: مدينة عظيمة بالأندلس، وكانت سريرًا لملكها وقصبتها، وبها كانت ملوك أمية، وبينها وبين البحر خمسة أيام؛ معجم البلدان4 / 324.

وهي الآن: مدينة كوردو، واقعة على نهر الوادي الكبير، وتقع على بُعد 138كلم شمالي شرق؛ دائرة معارف القرن العشرين؛ محمد فريد وجدي 7 / 751، الموسوعة العربية العالمية 18 / 163.

[5] – الموحدون: قامت دولة الموحدين بالمغرب على يد محمد بن تومرت 524هـ، وقد ورثَت هذه الدولةُ دولةَ المرابطين في المغرب والأندلس، واستطاع عبدالمؤمن بن علي أن يحقق أهداف زعيمه ابن تومرت؛ حيث أسقط دولة المرابطين واحتل عاصمتهم مراكش سنة541 هـ.

[6] – تاريخ الأندلس في عهد المرابطين والموحدين؛ يوسف أشياخ 403.

[7] – نفح الطيب؛ للمقري 2 / 10.

[8] – المصدر نفسه 1 / 147.

[9] – آراء ابن العربي الكلامية؛ عمار طالبي.

[10] – القرطبي المفسِّر؛ يوسف عبدالرحمن الفرت (ص: 36).

[11] – طبقات المفسرين؛ للسيوطي (ص: 79)، الوافي بالوفيات؛ للصفدي 2 / 87.

[12] – الديباج المذهب (ص: 407)، نفح الطيب؛ للمقري 2 / 210.

[13] – شذرات الذهب 5 / 335.

[14] – شجرة النور الزكية في طبقات المالكية (ص: 197).

[15] – القرطبي المفسر؛ يوسف الفرت (ص: 42).

[16] – المرجع نفسه (ص: 42).

[17] – الوافي بالوفَيَات؛ للصفدي 2 / 87.

[18] – الأعلام؛ للزكلي 1 / 210.

[19] – الذيل والتكملة للمراكشي، نقلاً عن يوسف الفرت: القرطبي المفسر (ص: 50).

[20] – وصورة هذه المسألة كما قال القرطبي في التفسير: العدوُّ إذا صبَّح قومًا في منزلهم، ولم يعلموا به، فقتل منهم، فهل يكون حكمه حكم قتيل المُعترك، أو حكم سائر الموتى؟ وهذه المسألة نزلت عندنا بقرطبة – أعادها الله -: أغار العدوُّ – قصمه الله – صبيحة الثالث من رمضان المعظَّم سنة سبعٍ وعشرين وستمائة، والنّاس في أجرانهم على غفلة، فقتل وأسر، وكان من جملة من قُتل والدي رحمه الله؛ الجامع لأحكام القرآن 4 / 272.

[21] – الجامع لأحكام القرآن؛ للقرطبي 4 / 272 المسألة الخامسة من تفسير الآيتين 169و170من سورة آل عمران.

[22] – التكملة لابن الآبار نقلاً عن يوسف الفرت: القرطبي المفسر (ص: 51).

[23] – الجامع لأحكام القرآن؛ للقرطبي 4 / 272.

[24] – شذرات الذهب؛ لابن العماد 5 / 254.

[25] – الديباج المذهب 318، نفح الطيب 2 / 409، شذرات الذهب 5 / 273.

[26] – الجامع لأحكام القرآن، المسألة السادسة من تفسير الآية 7 من سورة آل عمران 4 / 13.

[27] – شذرات الذهب 5 / 242، تذكرة الحفاظ للذهبي 4 / 1411.

[28] – طبقات المفسرين 39.

[29] – شذرات الذهب 5 / 246، الأعلام للزركلي 13 / 284.

[30] – التذكار في أفضل الأذكار للقرطبي.

[31] – تذكرة الحفاظ 4 / 1114، الأعلام للزركلي 2 / 232.

[32] – الذيل على الروضتين 198.

[33] – الديباج المذهب671.

[34] – نفح الطيب 2 / 210.

[35] – الجامع لأحكام القرآن، المسألة الرابعة في تفسير الآية 26 من سورة الأعراف 7 / 184.

[36] – القرطبي المفسر: يوسف الفرت (ص: 63).

[37] – الجامع لأحكام القرآن 7 / 195.

[38] – الجامع لأحكام القرآن، المسألتان 5، 4 من تفسير البسملة (1 / 92 – 95).

[39] – أحكام القرآن؛ لابن العربي 1 / 3، 2.

[40] – القرطبي المفسر سيرة ومنهجًا (ص: 68).

[41] – أحكام القرآن؛ لابن العربي 3 / 1143.

[42] – الجامع لأحكام القرآن 10 / 130.

[43] – التفسير والمفسرون 2 / 460.

[44] – الجامع لأحكام القرآن 1 / 353.

[45] – للمزيد من الأمثلة على تميز القرطبي بالإنصاف وعدم التعصب للمذهب، تنظر المسائل الآتية:

أ – حكم صلاة عيد الفطر في اليوم الثاني، مسألة 17، 304.

ب – حكم من أكل ناسيًا في نهار رمضان، مسألة 12، الآية 178 من سورة البقرة 2 / 322.

ج – حكم المتعة هل هي ندب أم واجبة، مسألة 6، الآية 236 من سورة البقرة 3 / 200.

[46] – الديباج المذهب في معرفة أعيان علماء المذهب (ص: 407).

[47] – الوافي بالوفَيَات 2 / 87.

[48] – شذرات الذهب في أخبار من ذهب 5 / 335.

[49] – القرطبي: الجامع لأحكام القرآن 1 / 302.

[50] – المصدر نفسه 1 / 302.

[51] – المقدمة (ص: 422).

[52] – الديباج المذهب (ص: 407)، شجرة النور الزكية (ص: 197)، الموسوعة العربية العالمية 18 / 163.

[53] – التذكار في أفضل الأذكار.

[54] – محمد مخلوف: شجرة النور الزكية 197، نفح الطيب 2 / 211، طبقات المفسرين 79، الموسوعة العربية العالمية 18 / 163.

[55] – التذكرة بأحوال الموتى.

[56] – مختصر التذكرة.

[57] – الديباج المذهب407، الوافي بالوفيات2 / 87، شجرة النور الزكية 197.

 

Related Posts

  • No Related Posts